ابن قيم الجوزية

329

الروح

نفسه عن الشهوات وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وتعود أكل الخلال لم تخطىء فراسته . وكان شاب يصحب الجنيد يتكلم على الخواطر فذكر للجنيد فقال إيش هذا الذي ذكر لي عنك ؟ فقال له أعتقد شيئا ، فقال له الجنيد اعتقدت فقال الشاب اعتقدت كذا وكذا فقال الجنيد لا ، فقال فاعتقد ثانيا قال اعتقدت فقال الشاب اعتقدت كذا وكذا فقال الجنيد لا ، قال فاعتقد ثالثا قال اعتقدت قال الشاب هو كذا وكذا قال لا ، فقال الشاب هذا عجب وأنت صدوق وأنا أعرف قلبي ، فقال الجنيد صدقت في الأولى والثانية والثالثة لكن أردت أن أمتحنك هل يتغير قلبك ؟ وقال أبو سعيد الخراز دخلت المسجد الحرام فدخل فقير عليه خرقتان يسأل شيئا فقلت في نفسي مثل هذا كل على الناس ، فنظر إلي وقال : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ « 1 » قال فاستغفرت في سري فناداني وقال : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ « 2 » . وقال إبراهيم الخواص كنت في الجامع فأقبل شاب طيب الرائحة حسن الوجه حسن الحرمة فقلت لأصحابنا يقع لي أنه يهودي ! فكلهم كره ذلك فخرجت وخرج الشاب ثم رجع إليهم فقال : إيش قال الشيخ في ؟ فاحتشموه فألح عليهم فقالوا قال إنك يهودي فجاء فأكب على يدي فأسلم فقلت ما السبب ؟ فقال نجد في كتابنا أن الصديق لا تخطىء فراسته فقلت أمتحن المسلمين فتأملتهم . فقلت : إن كان فيهم صديق ففي هذه الطائفة فلبست عليكم فلما اطلع هذا الشيخ علي وتفرسني علمت أنه صديق . وهذا عثمان بن عفان دخل عليه رجل من الصحابة ، وقد رأى امرأة في الطريق فتأمل محاسنها ، فقال له عثمان : يدخل أحدكم وأثر الزنا ظاهر على عينيه فقلت : أوحى بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ؟ فقال لا ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة . فهذا شأن الفراسة وهي نور يقذفه اللّه في القلب فيخطر له الشيء فيكون كما خطر له وينفذ إلى العين فيرى ما لا يراه غيرها .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 235 . ( 2 ) سورة الشورى ، الآية 25 .